محمد متولي الشعراوي

1616

تفسير الشعراوى

التقوى ، أو سعة البركة أو سعة القوة ، وكلها معان ملتقية ، ولذلك يقول اللّه في الحديث القدسي : « قد كان العباد يكافئون في الدنيا بالمعروف وأنا اليوم أكافىء بالجنة » . إن الحق سبحانه الذي يعطى البر ثمنا لنفقة مما تحب يعلم هل أنفقت مما تحب فعلا أو تيممت الخبيث لتنفق منه ، فإياك أيها المؤمن أن تخدع نفسك في هذا الأمر ، لأن الذي يعطى البر ثمنا لنفقة مما تحب يعلم خبايا النفس ، لذلك يقول سبحانه : « وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ » . وعلم اللّه شامل ، إنه يعلم ما في نيتك ، وكيف أنفقت . ولقد بين الحق سبحانه النفقة المرفوضة حتى ولو كانت ملء الأرض ذهبا ، ثم أوضح لنا أن هناك نفقة مقبولة وجزاؤها الجنة ، وبذلك نرى التقابل بين النفقتين ولماذا جاء هذا الحديث ؟ لقد كذب بعض أهل الكتاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في مستهل أمر الدعوة وكذبوا البشارة به ، والنعت والبشارة جاءا في التوراة والإنجيل ، وأنكروا الأوصاف التي ذكرت في كتبهم السماوية عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وتمادوا ومحوا هذه الأوصاف من كتبهم . حدث ذلك مع أنهم قد تورطوا من قبل في إعلان البشارة به « وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ » . لقد أراد اللّه أن يفضحهم في التوراة التي يعتقدون أنها كتابهم وقد حرفوا بعض أحكام اللّه ، وظنوا أن هذه التحريفات ستظل مستورة ، لذلك جاء لهم بأحداث ولم ينتبهوا إليها لتقوم الحجة على أنهم قاموا بتحريف التوراة مثلما قلنا من قبل عن الخيبرية التي ارتكبت فاحشة الزنا ، وأراد رؤساء اليهود أن يخففوا العقوبة عنها ، لأن العقوبة الواردة في التوراة على جريمة الزنى هي الرجم وقال هؤلاء الرؤساء : « نذهب إلى محمد ، لعل لديه حكما مخففا » فلما ذهبوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وضح لهم أنه الرجم . فقالوا : لا ، إنك لم تنصف في حكمك . فبين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لهم إنه يرضى بحكم التوراة التي عندكم وجىء بالتوراة وأمرهم الرسول أن يفرأوا فلما جاءوا إلى آية الرجم أرادوا أن يغفلوها